يرى الكاتب عبد العظيم الله جابو أن العلاقات بين مصر وإثيوبيا والسودان ظلت لعقود تُختزل إلى قضية واحدة هي نهر النيل، لكن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في القرن الأفريقي جعلت هذا الإطار غير كافٍ لفهم طبيعة العلاقات بين الدول الثلاث. فمع استمرار الحرب في السودان وتزايد أهمية البحر الأحمر، تتقاطع حسابات الأمن الإقليمي مع قضايا الحدود والتجارة والموانئ والمنافسة بين القوى الإقليمية والدولية.
وبحسب ما نشره في «ذا ديبلوماتيك إنسايت»، تتحرك القاهرة وأديس أبابا والخرطوم داخل بيئة جيوسياسية أوسع، تتداخل فيها حسابات البحر الأحمر مع أمن القرن الأفريقي، بينما تتقاطع قضايا الحدود والتجارة والموانئ مع التنافس الإقليمي والدولي. ويبرز السودان في قلب هذه التحولات، ليس باعتباره طرفًا ثالثًا في الخلاف المصري الإثيوبي فحسب، وإنما بوصفه دولة تقع عند تقاطع عدة أقاليم استراتيجية.
السودان.. أكثر من دولة بين قوتين
يكشف الموقع الجغرافي للسودان عن أهمية استراتيجية تتجاوز كونه دولة تقع بين مصر وإثيوبيا أو طرفًا ثالثًا في معادلة النيل. إذ يربط السودان شمال أفريقيا بالقرن الأفريقي، ويمتد من حوض النيل إلى البحر الأحمر، كما تتصل حدوده بالامتداد الأفريقي الأوسع نحو منطقة الساحل ووسط أفريقيا.
ويمنح هذا الموقع السودان أهمية تتجاوز موارده الطبيعية وحدوده السياسية. فبالنسبة إلى مصر، يمثل السودان عمقًا استراتيجيًا جنوبيًا ترتبط استقراره ارتباطًا وثيقًا بأمن الحدود المصرية والمصالح المتعلقة بمياه النيل وأمن البحر الأحمر. أما إثيوبيا، فتتعامل مع السودان باعتباره جارًا غربيًا مؤثرًا، تؤثر تطوراته السياسية والأمنية والاقتصادية بصورة مباشرة في حسابات أديس أبابا.
وتزداد أهمية السودان بامتلاكه ساحلًا على البحر الأحمر، ما يجعله جزءًا من معادلة استراتيجية تتجاوز حوض النيل لتشمل دول الخليج والقوى العالمية التي تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره أحد أهم الممرات التجارية والاستراتيجية في العالم.
وبالتالي، قد تعيد أي تغييرات كبيرة في البيئة السياسية أو الأمنية داخل السودان تشكيل حسابات القاهرة وأديس أبابا على حد سواء.
وأظهرت الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 أهمية هذا الموقع بصورة أكثر وضوحًا، إذ يؤثر استمرار الصراع ليس في السودان وحده، وإنما في أمن الدول المجاورة وتوازن القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي أيضًا.
مصر وإثيوبيا.. من خلافات المياه إلى صراع النفوذ
لا يزال نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي يمثلان عنصرين محوريين في العلاقات المصرية الإثيوبية، لكن عوامل أخرى بدأت تؤثر بصورة متزايدة في طبيعة العلاقة بين القاهرة وأديس أبابا.
وتنظر مصر بصورة متزايدة إلى أمنها القومي من منظور أوسع يشمل جوارها الجنوبي والقرن الأفريقي والبحر الأحمر. ومع استمرار الحرب في السودان وتصاعد المنافسة الإقليمية، تزايد اهتمام القاهرة بالتطورات التي تشهدها بيئتها الاستراتيجية الجنوبية والشرقية.
وفي المقابل، تسعى إثيوبيا إلى تعزيز موقعها كقوة إقليمية رئيسية في القرن الأفريقي. وأصبح الوصول إلى البحر عنصرًا مهمًا في حساباتها الاستراتيجية، خصوصًا بعد فقدانها ساحلها عقب استقلال إريتريا.
ولا يتعلق هذا السعي بالتجارة وحدها، بل يرتبط أيضًا بمكانة إثيوبيا الإقليمية وقدرتها على التحرك داخل بيئة جيوسياسية أصبحت فيها الموانئ والممرات البحرية أدوات مهمة لبناء النفوذ.
ولهذا، لم تعد المنافسة بين القاهرة وأديس أبابا محصورة في إدارة مياه النيل، وإنما بدأت تمتد بصورة أكبر إلى شكل النظام الإقليمي المحيط بالسودان والقرن الأفريقي الأوسع.
البحر الأحمر يعيد رسم الخريطة الجيوسياسية
يمثل التحول التدريجي في مركز الاهتمام الاستراتيجي من النيل إلى البحر الأحمر أحد أبرز التطورات في المنطقة. فلم يعد البحر الأحمر مجرد ممر بحري يربط أوروبا وآسيا عبر قناة السويس، وإنما أصبح ساحة استراتيجية تتقاطع فيها مصالح مصر والسعودية ودول الخليج وإثيوبيا والسودان وتركيا والصين والولايات المتحدة وغيرها من القوى.
وتتعاظم أهمية السودان في هذه المعادلة بفضل موقعه على الساحل الغربي للبحر الأحمر. ولا تقتصر أهمية استقرار الموانئ السودانية، ولا سيما ميناء بورتسودان، على الداخل السوداني، وإنما ترتبط بالتجارة والأمن البحري والتنافس على الموانئ والصراع الأوسع على النفوذ في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، يجعل سعي إثيوبيا إلى تأمين منفذ بحري دولَ ساحل البحر الأحمر أكثر أهمية في حساباتها الاستراتيجية. كما لا تستطيع مصر، التي تسيطر على قناة السويس، فصل أمن البحر الأحمر عن أمنها القومي.
وهكذا، يبرز السودان كنقطة التقاء بين النيل والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، وليس مجرد دولة تقع في قلب مثلث سياسي بين مصر وإثيوبيا. غير أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي لا يتحول تلقائيًا إلى قوة سياسية.
وكشفت الحرب في السودان الوجه الآخر للجغرافيا، إذ قد تتحول الدولة ذات الموقع الاستراتيجي إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي عندما تضعف مؤسساتها أو يطول أمد الصراع الداخلي.
ولهذا، يرتبط مستقبل السودان ليس فقط بإنهاء الحرب، وإنما أيضًا بقدرته على إعادة بناء دولة مستقرة تستطيع إدارة علاقاتها الخارجية وفق مصالحها الوطنية.
وقد يتحول السودان المستقر إلى جسر يربط مصر بالقرن الأفريقي، وشمال أفريقيا بالبحر الأحمر، والأسواق الأفريقية بالأسواق العربية. أما السودان الضعيف أو المجزأ، فقد تتحول جغرافيته إلى مصدر دائم للتدخل الخارجي والتنافس الإقليمي.
ويحذر هذا الطرح من التعامل مع السودان باعتباره مجرد ورقة أخرى في الخلاف المصري الإثيوبي، لأن المعادلة الناشئة لم تعد ببساطة «مصر في مواجهة إثيوبيا» والسودان بينهما، وإنما أصبحت مثلثًا تتفاعل أضلاعه مع منظومة إقليمية أوسع.
وقد يعتمد مستقبل القرن الأفريقي في نهاية المطاف على قدرة الدول الثلاث على تجاوز إدارة خلافاتها نحو بناء ترتيبات إقليمية تراعي المصالح المشروعة لكل طرف.
وربما لا يتمثل السؤال الأهم في الطرف الذي سينتصر في التنافس بين القاهرة وأديس أبابا، وإنما في قدرة السودان على استعادة موقعه كدولة فاعلة بدلًا من بقائه أرضًا تتنافس القوى الأخرى على النفوذ فيها.
فالسودان ليس مجرد الضلع الثالث في المثلث المصري الإثيوبي، بل قد يكون النقطة التي تحدد اتجاه المثلث بأكمله.
https://thediplomaticinsight.com/egypt-ethiopia-sudan-emerging-geopolitical-triangle/

